Tuesday, April 7, 2020

البصل اليمني



في بداية الجانحة -قبل أن تتحول إلى جائحة- وبعد ما عَبَرت أزمة دخول المسافرين إلى إيران. شفت فيديو لـمواطن حريصمتحمس يبي يقطع دابر كل شي يأتي من إيران بما فيها السمك، حياً أو ميتاً. وينبه وزير التجارة إلى أن أحد التجار الكويتيين يهرب السمك الإيراني إلى سلطنة عمان ويعيد تصديره إلى الكويت على أنه سمك عماني، ويجب أن يعاقب وأن الأمر يجب أن لا يمر مرور الروبيان .. الخ
يومها رحت للجمعية التعاونية أتسوق بعض الحاجيات، غير الضرورية أصلاً، دعماً للاقتصاد الوطني، متجاهلاً كل الاتهامات التي توجه من هنا وهناك، ومن كل حدب وعضب، من المغرضين، ضد التاجر الوطني الشريف، الشريف قبل الأزمة وبعدها، والشريف إلى يوم الدينما علينا.
تفاجأت بوجود لوحة تعلن عن (بصل يمني)!
كان ذلك قبل أزمة البصل بمراحل. ولكن ما أثار استغرابي هو أن اليمن المحاصر الذي يقصف بشكل يومي وتعطل وتحتل موانئه ومطاراته ويساق شعبه إلى حرب الفرق والملل ما زال يزرع -شيء آخر غير القات وأصناف المخدرات- ويصدّر. فقررت تشجيع صمود المزارع اليمني وعروبة التاجر الكويتي واشتريت كيلوين بصل يمني. رغم تفضيلي للبصل الأمريكي، أو على وجه الدقة، البصل الأمريكي سعودي المنشأهم ما علينا.
وأنا أدردش مع العامل المصري الخبيث الذي على الميزان، قلت له، منتفخاً طبعاً، بأني احيي فيهم تشجيع البصل اليمني الشقيق وهالسوالف، فصدمني اللعين بقوله: يمني مين يابه!! ده مصري احنا اللي بنزرعوه ونعرفوه. مش حيتغير علينا حتى لو حطوا له مية جنسية!!
خرجت منه محتضناً بصلي، مغلقاً أذنيه حتى لا يسمع هذه التخرصات، خاصة وأنني من البدون، واتهامات مثل هذه مزعجة دون دليل، وهرعت (مو يقولون هرعت؟) إلى المحاسب للنجاة من هذه الجمعية الشوفينية بأسرع وقت.
لم أتذكر الحادثة إلا بداية الأسبوع الفائت، مع أزمة البصل، متعدد الجنسيات، لما شفت صورة في تويتر لأكداس البصل الأحمر الناري على شاحنة عند مغرد مشهور وهو يبشر المواطنين: بشراكم، إخوانكم من الشعب اليمني علموا بأزمة البصل عند أشقائهم في الكويت، وقرروا إرسالة شحنات كافية لأشهرعند طريق سلطنة عمان!
ضحكت كثيراً ثم تبسمتُ بخبث. وقلت في نفسي: ها هي اليمن السعيدة.. عربية وتصدّر البصلما رأيك الآن أيها المزارع المصري الشقي؟!

٦ ابريل (٢٠٢٠ الكبيسة)
#يوميات_الفيروس_المتوج
#الفيروس_المستبد

Thursday, July 18, 2019

ريشة طارت من حلم




يحكى أن صبيا في العاشرة، وقيل في الثالثة عشرة طيّر بالوناً أصفر.
وبعد أسبوعٍ أشعل شمعة، صنع لها "منطاداً" وأطلق نارها الصغيرة إلى السماء. لعب وركض في الساحة، ولم يتعب، الصغار لا يتعبون أبداً، هكذا كان يسمع، ولم يكن يعي ما يقولون، أو مم يشتكونوقبل أن ينام، كتب بخط عريض في دفتره، عبارةً سمعها من الأطفال في الساحةلديّ حلم

في عصر الجمعة من كل أسبوع، كان يفد الصبي إلى ساحة لعبه وشقاوته، ويجدها مليئة بالكبار الذين يلعبون هم أيضاً ألعابهم، يرفعون الأعلام ويصفقون ويرفعون قبضاتهم في الهواء، في إحدى المرات شاهدهم يوزعون الورود، اقترب، وساعد في رفع سلتهافي الأسبوع التالي جلبوا الحمام وطيّر هو أيضاً حمامةكان سعيداًكانت تلك أول مرة يمسّد فيها ريش حمامة، وآخر مرة تمس الحمامة كف طفلطيّرها أيضاً إلى عين الشمس، وراقبها أين تحط، وكيف ترقص هي الأخرى مختبرة جناحيها في الهواءكان سعيداً ذلك في الأسبوع، وهو يرى طفلة ممتلئة الخدين تلعب دور ممرضة، وطفلاً آخر يرتدي بذلة شرطيكان سعيداً، وكأنه يوم عيد ولكن بثياب تنكرية.  

سبعٌ عجاف صعدت على ظهره، وكأنها السبعونوالطفل الذي غدا شاباً، يواجه عيناً متخشبة متصلة إلى السماء، ويعلم أنه بعد لحظات سيصلب جذعه ليُطيّر حمامة أخرى، إلّا أنها منزوعة الريش هذه المرة، إلى عين الشمس، فتح دفتره القديم، الذي لم ينج من شقاوته، ولا من شقاء زمانه. كتب لأول مرة باسمه، اسمه الذي لم يعرف معناه قبل هذه اللحظة الفارقة، تحت الكلمتين بالخط العريض:

- عايد

Monday, April 29, 2019

لم نعد نملك شرف المغادرة يا صديقي!

لماذا لا تهاجر اليوم؟

- كل قطعة ثياب أضعها في الحقيبة، سأضع إلى جانبها شيئا من الفشل والعجز والخيبة.. مع كل شيء ذو قيمة سأحصل عليه هناك سأكون مدينا لرجل أو امرأة لا يختلفون عني -بزعمهم!
سأكبر وأنمو وأربح هناك... وفي جزء قصي وغائر في داخلي سأشعر بالضآلة، لأن جزءً كبيراً مما يضاف إليّ هو جهد قوم آخرين؛ أجانب، لجأ إليهم هذا البدوي بعد أن لفظه قومه؛
قومي الذين يخرج صاحبهم من دنياه عارياً وذليلاً على عكس أولئك.
وأنا سأخرج عاريا على أي حال!


سأل قبل عام، وكانت ذاك جوابي الذي ختمته بعبارة: (أُوطّنُ نفسي على الرحيل!)

وتفصيلاً...


- ما زلت أؤمن أننا في بداية المحرقة. لم نستنفذ رصيدنا من شهوة الدم. ولم تتكسر أنيابنا بعظام إخواننا بعد

في الواقع، إن كل ما شهدناه من إجرام داعش، وأخواتها من الحكومات العربية المتعاقبة على السواء، هو تجربة أسنان اللبن، ولمّا نضرّس بعد في زمن الرعب الطائر والمنفلت

المأساة، كلما سكن ما حولي، وضممت جوانحي، أسمعُ صريرها في العظام التي ورثتها عن أجدادي البؤساء.

وفي نفس الوقت، ما زال الصراع الداخلي ماثلاً بين نجاة الفرد أو الجماعة.

في الحقيقة، أنا كبدوي، خرجت من تمر هذه الأرض، لا أؤمن بخرافة الأوطان قدر إيماني بقدرية الترحال. هذا يوافق طبيعة البشري بالخروج المتكرر، من ظهور الرجال، ومن بطون الأمهات، ومن المراعي الخصيبة، ومن الحياة إلى باطن الأرض مجدداً.  

ومن الجهل إلى المعرفة، وعودة إليه!

وهكذا، فالأرض التي أعود إليها هي كل الأرض، لا أرضاً بعينها
النجاة، هي ما فلحت في اكتسابه، وقاومت لاجتنابه، من أدران الأرض وأهلها. وهذي خريطة  أخرى في هجرات متعددة لا انقطاع لها.

ما زلت مهاجراً، وكل ما ألفته سأغادره حتماً.
أنا لست لي
أنا لست لي.

Sunday, May 29, 2016

مثقاب فكري!!


الصديق مرتضى كزار محرض جيد للكتابة. يقول:

(نرتكب جناية حينما نصوّر الإرهابي بأنه ذلك القادم من ثقب الزمن، المتخلف، المتسخ، الذي يلبس الألوان القاتمة ولا همّ له غير الكراهية والتفخيخ واللعن ومضاجعة كل شيء.
في الأدب مثلاً، حيث يسبق الخيالُ التفكيرَ بمراحل، تم تجاوز ذلك النموذج التقليدي، إلى نموذج أعقد قليلاً.نساهم دون أن ندري؛ ونحن نسخف ونختصر شخصية المتطرف بهذه الطريقة بإدامة سوء الفهم، لأن التطرف الديني«مثقف!» وعميق، ما نراه في الشاشات والأخبار والتغريدات والمعارك هو الوجه الذي تستطيع الشاشات والأخبار والتغريدات والمعارك أن تفهمه، وما نستطيع أن نفهمه نحن. هو الوجه التقليدي البسيط للإرهابي. المتفق عليه نسبياً، أما الوجه الغاطس في عقلانية زائفة والمتخفي بلحية لا مرئية، فهذا هو الصورة الواقعية للإرهاب، لم يخرج من ثقب الماضي، هو نفسه حفّارة ثقوب!)- مرتضى كزار، 2016/5/28، فيسبوك.



بماذا يمكن أن نصف مذيعة جميلة -يفترض أن تكون غير محجبة في هذه الحالة - ومذيع حليق يرتديان السواد في يوم إخلاء الفلوجة من عصابات داعش؟

عندما تستدرج "متابعيك"/قبيلتك/ قومك/ طائفتك/ حزبك ليكونوا "طبالة" لفكرة غير تامة ومن نسج خيال مصاب بضيق الأفق. وأحياناً مع معاناتك الشخصية من "التطبيل" بأنواعه!

الطائفي ليس إرهابيا بالضرورة ما لم يحاول إلغاء الآخر. الإرهابي كذلك، ليس بالضرورة أن يكون طائفياً.. (ولا متخذاً لهيئة كفار قريش في المسلسلات العربية التاريخية) بمعنى أن أي فكرة ناشز ترفض النقد والتحليل والدراسة يمكن أن تكون إرهابية وإن تغطت بمسوح التسامح والانفتاح وحماية المجتمع ! بعض الإرهابيين هم رجال ونساء وسيمون، ونقاد جيدون مرهفو الحس في الحقيقة -كما أضاف الصديق.

الشكل المعاصر للإرهاب يختلف كثيرا عن الشكل التقليدي -وهنا أوسع دائرة الوصف الذي أطلقه مرتضى- ليشمل ذلك العنصري الذي وصفته سابقاً بالركض وراء مساحيق و "كريمات" دورات حقوق الإنسان للاستعانة بها في تغطية قبحه وترطيب شفاهه المشققة.

أقرب الناس منك -مثلاً- قد يتحول إلى إرهابي فكري أو نفسي أو عاطفي بدوافع مثل الحماية أو الحب.. وربما الغيرة. هل أحتاج حقاً إلى سوق الأمثلة؟ أبق عينيك مفتوحتين. ذلك يكفي.

بهذا المعنى، حتى تعنت رقابة المصنفات في إجازة نصوص جديدة لكاتب سبق له أن حاول تحصيل حقه عبر السبل القانونية هو نوع من أنواع الإرهاب. القرارات والقوانين وحتى الدستور، هي أدوات للتنظيم لا للحجر والتضييق.

الإغراق في الملاحقات القضائية للمعارضين الفكريين والسياسيين هو أيضاً شكل من أشكال الإرهاب. ألا تكفي دعوى واحدة لإثبات اختلاف الموقف؟!

في النهاية؛ أنا لا أريد أن أتخذ من أحد عدوا.. ليس لأنه لا يستحق ذلك بالضرورة، ولكن فقط لأنني لا أريد منحه هذا الشرف. فقط لا أريد.

Saturday, January 16, 2016

"مضايا" وأخواتها وكلفة العمل الإنساني

في الحرب الأهلية ترتفع الكلفة على المدافع عن حقوق الإنسان. فكل الرايات المتشابكة -التي تدعي الحق والفضيلة بالضرورة- تلوّح برايات المطالبات الإنسانية. وغالباً ضمن مبارزات بعيدة عن الشرف.. كما هي الحرب. 

كيف يمكن للمدافع المحايد أن يتجاهل اتفاق الهدنة الذي تم في 28 ديسمبر 2015، والمعروف باسم "الزبداني-الفوعة وكفريا" والذي نص على رفع الحصار عن (مضايا) بالتزامن مع رفع الحصار عن قريتي (كفريا والفوعة) في محافظة إدلب، والذي لم ينفذ بسبب رفض جيش الفتح و حركة أحرار الشام وفصائل مسلحةّ إسلامية أخرى فتح ممر للمساعدات الإنسانية بموجب هذه التسوية للقريتين اللتين تحاصرانهما -كما جاء في تقارير CNN.

النظام الذي يحاصر شعبه هو نظام مجرم ولا ينبغي التذرع بجرائمه للانتقام من مناصريه المدنيين أو جرحاه أو أسراه..

نؤمن بوجوب تجنيب المدنيين ويلات الحرب.. فعلى أي أساس يحق لنا أن نفاضل بين مدني و آخر؟
لماذا نركز على امتلاك النظام لأسلحة دمار شامل ونتجاهل استخدام الفصائل المسلحة لغازات الكلور والخردل ضد المدنيين في مناطق متعددة وفق شهادات منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والمراقبين؟

في اللحظة التي تقلد فيها الإخوة السلاح لم يعد هناك بريء في الساحة.. الكل متهم حتى يخضع لشرط حماية الحياة. ولا يجب على المدافع عن الحق الإنساني -الحق لا الغرض- أن يميل إلى إحدى جنبات قضيته الكبرى. فينساق وراء دعاوى إشغاله في تفاصيل المعارك المرحلية. نعم، لدينا موقف سياسي، وهوىً سياسي أحيانا.. ولكن المنظار الأبعد يحملنا على التحليل والفحص والنقد لكل المواقف. هنا يختلف (الناشط) في قضية محددة عن (المدافع) الذي يحمل مظلة عريضة اسمها: وحدة الإنسانية.

مثلما يجب العمل على تجنيب المدنيين/ كل المدنيين من ضفتي القتل ويلات الصراع، فإن حماية المدنيين لا تقتصر على توفير المياه الجارية والغذاء حسب، بل تتعدى ذلك إلى إبقاء التعليم متاحا للأطفال (بما في ذلك تعليم البنات )، وحماية الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وصيانة رموز الدين لكافة الطوائف والديانات، وحماية مراكز الخدمات الصحية المدنية والعسكرية، وتوفير الخدمات الصحية على قدم المساواة لجميع الفئات بما في ذلك جرحى المتحاربين. وتأمين خطوط الإمداد بالغذاء والدواء. ومع نزع أسلحة الدمار الشامل من أيدي جميع المتقاتلين، من القوات الرسمية كما من الفرقاء الآخرين. أين يقف المتصارعون من كل ذلك؟ 


في مصر وسوريا والبحرين وليبيا واليمن والعراق والسودان وغيرها، نتعاطى وصفة الألم أملاً في تجنب عمى الألوان، لن نحيد عن مبادئنا الراسخة ولتذهب الرؤى السياسية إلى الجحيم الذي تريد.

دومينيك دوفيلبان ومابعد الكولونيالية

 سكرت أوروبا واسكرتنا في 70 عاماً الماضية بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعهود الدولية والتدريب والتشبيك مع جنيف ونيويورك ولاهاي. هذ...