Friday, February 27, 2015

“صفيح” يتسع بالحب


(أختلف معها [ أمي ]  في نهاية القصة التي نعيش، تريد أن نبقى كي نصنعها، وأنا أريد أن نخرج وننساها، نخلق قصصاً كل أوراقها حياة، والانتظار فيها قليل جداً)
- من “صفيح” هنادي الشمري ص 61


تشاغبني النفس بالسؤال قبل اختيار عنوان ورقتي عن: “التجنيس” الأدبي في الرواية المعاصرة وتداخله؛ وماذا يعني المهمش من تقييد جنس إلى فكرته؟ ولماذا يعتني بذلك أصلاً وأفكاره وأحلامه وشخوصه الحقيقية والمتخيلة تقع في ضفة أخرى من الأرض والحياة؟ هنادي اختارت أن تلامس التجربة بأصابع من حريق. 


الصورة هي أداة الشاعر وهي ناقلة الشعر، وهي في الوقت نفسه عمود السرد.. ولكن الجوهر في الشعر ليس في الصورة الشعرية، بل في التأثير الذي ينتج عنها.. أما في السرد فالصورة هي الأساس.


يقول رامبو (اكتشاف ما لا يعرف، يفترض أشكالاً جديدة) ويقول أدونيس: (كل جزء منها/القصيدة/ يأخذ معناه من الكل، ويعطى معناه إلى الكل)


هل كان دور الشعر هو تعزيز دور السرد في (اكتشاف عالم لم نره ولم نشعر به أبداً) كما يصف أدونيس دور القصيدة الجديدة؟

مدخل ثان:


تعد الرواية القصيرة، أو القصة الطويلة، والتي اشتق اسمها من الكلمة الإيطالية نوفيلا -وتعني الجديدة- جنساً أدبياً عائداً إلى الظهور في المشهد الأدبي. وقد أعطى النقاد والأدباء سمات للرواية القصيرة؛ فهي أطول من القصة القصيرة وأقصر من الرواية، لا تزيد عن 100 صفحة، وكلماتها عن 000 70  كلمة.

وتعود فكرة سلسلة الروايات القصيرة إلى حكايات ألف ليلة وليلة العربية، والتي ظهرت في القرن العاشر الميلادي، وانتقلت إلى إيطاليا في منتصف القرن الثامن عشر.
وقد اعتمدت الرواية القصيرة في بدايتها على الأحداث المحلية، والقصص الشخصية، ولكنها بعد ذلك تطورت وأصبح لها أبعاد إنسانية، وأدبية. 

ومن أهم الروايات التي صنفت كروايات قصيرة

- التحول لكافاكا 
- مزرعة الحيوان لجورج أورويل 
- قلب الظلام لكونراد  
- الشيخ  والبحر لهمنجواي 
- دكتور جيكل  والسيد هايد لروبرت ستيفنس 
- الموت في البندقية لتوماس مانس 
- وداعاً لفيليب روثس 
- يوميات من تحت الأرض لديستوفسكي 
- أوراق إسبرن و دورة برغي لهنري جيمس

ونادراً ما تنشر الرواية القصيرة كرواية مستقلة حيث تجمع عادة مع عدد  من الروايات القصيرة أو مع قصص قصيرة منوعة للمؤلف ذاته.
ومن أمثلة الرواية القصيرة الحديثة كتاب الكاتب الأمريكي ستيفن كنج Steven King الفصول المختلفة والذي  تضمن  أربع روايات قصيرة اتسمت بالواقعية، وحققت شهرة عالية حيث عرف كنج ككاتب روايات رعب. وقد تم اختيار روايتين منها لتمثل في السينما.

وبالرغم من أن الرواية القصيرة اشتهرت في عدد من  دول أوروبا كجنس أدبي ، بقيت  محدودة الانتشار في بريطانيا  وقد يعود السبب إلى أن القارئ الإنجليزي يفضل الروايات الطويلة.
تتقاطع الرواية القصيرة مع الرواية الطويلة في مسارات معينة وتختلف عنها في مسارات أخرى  وتتمثل الاختلافات بينهما فيمايأتي:

- الرواية القصيرة لا تحتوي فصولاً وإنما صفحات  تحمل عناوين تمثل مدخلاً إلى أحداث الرواية.
- لا تحمل الرواية القصيرة تطوراً تفصيلياً  في الشخصية والحبكة.
- الرواية القصيرة تحمل عقدة صراع أقل من الرواية الطويلة. 
- غالباً ما تهتم الرواية القصيرة  بتطور الشخصية، وعواطفها أكثر من المجتمع الذي يحيط بها. 
- لا تظهر في الرواية القصيرة الحبكة الثانوية التي تظهر في الرواية الطويلة. 

ظهرت روايات قصيرة في العالم العربي منها قنديل أم هاشم ليحيى حقي ، واتجه كثير من الكتاب  المعاصرين  إلى أن يكتبوا روايات ذات حجم محدود (مثل نجيب محفوظ ، وسليمان فياض ويوسف إدريس).

الرواية القصيرة أو النوفيلا، التي تقع في منطقة وسطى بين الرواية والقصة القصيرة، بقصد التعريف بهذا النوع وإبرازه وتفريده عن النوعين المجاورين، اللذين حظيا بدراسات نظرية وتطبيقية أسهمت في إيضاح حدودهما، وفي الترويج لهما، وتسهيل التعامل معهما، أما النوع الثالث فقد ظل إلى اليوم نوعا غير معترف به إلا في حدود ضيقة، ولذلك فإنه مجهول عند جمهور القراء والنقاد والكتاب والناشرين، وأما الأعمال العربية التي تنتمي فعليا إلى نوع النوفيلا فغالبا ما تلحق بالرواية أو بالقصة القصيرة، وقلما تنال تصنيفا مستقلا يسمح بقراءتها ضمن نوع سردي ثالث يمتلك عناصر كافية لإثبات هويته وخصوصيته.


ذكر الشاعر والكاتب الأمريكي هاوارد نيميروف (Howard Nemerov) في مقالة بعنوان (التكوين والقدر في الرواية القصيرة) «إن هذا الشكل الفني لا يجب أن يعدّ شكلاً فنياً يجمع بين الرواية والقصة، ولكنه يجب أن يعد شيئاً مثل الشكل الفني الأولي والمثالي، وهو متصل بطريقة موحية بالتراجيديات القديمة فيما يخص بساطتها». 

وبتطبيق تعريف الدكتور أبو المعاطي الرمادي في أطروحته لدرجة الدكتوراة للرواية القصيرة على عمل هنادي الشمري، نصفها بأنها ذات:
  • حجم متوسط (لا يزيد عن مائة صفحة من القطع الصغير).
  • استهلال ذو طبيعة خاصة؛ بسبب اعتمادها على شخصية محورية واحدة، وحدث محوري واحد، ويتميز بشيوع الحس الكوميدي، أو التراجيدي، والتأريخ للبطل والمكان (سعدون/تيماء).
  • لغة مكثفة تقترب بالسرد من الشعر.
  • ازدواجية الدلالة، فالكاتب لا يصرح بل يلمح، ويترك الكثير لعقلية المتلقى الاستشفافية، ودائما لسرده أكثر من دلالة.
  • بطل محوري واحد. هنا كان البطل هو “سعدون”.
  • حدث مركزي واحد: تقوم الرواية القصيرة على حدث مركزي واحد يستقطب كل مكونات العمل (حالة المناطق الشعبية وهجرة البطل)
  • وجهة نظر خاصة للواقع: وهذا تمثل في تحويل مدركات الواقع البسيطة إلى فعل مرئي محسوس، وتغليب المألوف واليومي والنادر والثانوي على الأساسي والمباشر.
  • وصف موجز فعال.
  • ملمح السخرية: من العلامات المميزة للرواية القصيرة ملمح السخرية، ويكون أحيانا بأسلوب الاستفزاز، وأحيانا بالرسم الكاريكاتيري، وبالمواقف الكوميدية، والتعليقات المضحكة. الأمثلة كثيرة في الرواية (داخل وخارج الرحم.. مهبل البلاد ضيق جداً.. طين يجاور طين.. غرفتي وبيت الله من مادة واحدة.. البشر قطع غيار جديدة في آلة زمن معطلة.. العتبة؛ فائدة رياضية وفائدة أخلاقية.. لو استرسل جدي سنكون من أهل الكهف.. جدتي متدينة تخرج الأموال للأموات قبل الأحياء.. هناك تقع الجنة، في زاوية فم أمي لا تحت قدميها.. قلب والدي بركة صغيرة.. الخ)
  • فضاء خاص يتسم بالمحدودية، يستمد رحابته المكانية والزمانية من القفزات والوثبات الناتجة عن توارد الخواطر. (لم تسهب الكاتبة إلا في وصف الحالة الداخلية لتيماء وأهلها وجوارها ورغم الانتقال أجواء الحكاية إلى لندن، كان وصف الشمال عاما.)
  • إثارة الأسئلة : النص الروائي القصير يثير كما من الأسئلة دون الاهتمام بطرح أية إجابات . ( لماذا أرفض الحياة وأنا أملك قدمين؟ ماذا يحتاج الأموات؟.. الخ)

تكثيف الصدمة وإشراق الكلمات:


أجرؤ على الزعم بأن هذه الفرجة المعرفية المسماة “صفيح”، ليست فقط هي التجربة الأولى لهنادي الشمري أو التجربة السردية الأولى لكاتبة من البدون. أكاد أجزم أن هذه القراءة المجردة للعمل لن تفيه ولا الكاتبة حقهما في الإشادة بهما في حقل التجربة الإبداعية التي تتجاوز معانقة نوع من الكتابة السردية يوصف بالجدة ولا اشتغال فكري يتسم بالجدية. بغض النظر عن صاحبة العمل وظروف المرأة القاسية في مجتمع يعاني على هامش المجتمع - وإن كانت هذه الظروف القاسية تزيد في إعجابنا بالإصرار على إنتاج مثل هذا المنجز. “صفيح” هنادي الشمري.. هي التجربة الأولى والعبارة ناقصة ما لم نضف لها أنها التجربة التي أسهمت في تشكيل المناطق الشعبية من الداخل.

كان من الممكن لهنادي أيضا أن تعمل وفق  الظاهرة السائدة والبدء بكتابة القصة القصيرة استسهالاً إما في الكتابة أو القراءة أو النشر، أو مباشرة حوت الرواية واستثمار مجالها الواسع الرحب لابتلاع أنواع متعددة، فلا مشاعر بالنقص مما نجد هنا أو أدوات لغوية وفكرية يمكن أن تخونها لبناء قصصي متميز كما أزعم، ولكنها اختارت النوفيلا، هذا الشكل المعاصر والثائر والشاق ذهنيا كجواز عبور إلى القارئ. كما أن قبضتها الحديدة على الحبكة الروائية ومركزها حال دون تشظي السرد على الورق. هذر وفضفضة تعاني منها بعض الروايات المحلية متضخمة الصفحات التي كان يمكنها بقليل من الاختصار أن تصبح أكثر رشاقة وأشد إبهاراً. هل كان للنص الشعري دوراً في تقليم عباءة الرواية عند هنادي الشمري؟ لننتظر ونرى.


صفيح صدرت في نوفمبر ٢٠١٤ عن دار مسعى للنشر والتوزيع في ٩٥ صفحة من القطع الصغير. نوفيلا في ١٣ فصلا - العدد المحبب لكتاب القصة- كل فصل منها يشكل وحدة عضوية بحد ذاته إذا استل من الرواية- ختم كل فصل منها بنص شعري.

مفاتيح الزمن:


الحياة لا تقاس بمتر الخياط أو بميزان البقّال. السرد احتفاء بالزمن ومحاولة لتلمس آثاره على الذات والأشياء. يقوم العمل السردي بتصريف مشخص لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال “الحكي”. 

القصة خلت من الرؤية الحكائية طويلة النفس، لسبب واضح ذكرته الروائية في الاستهلال الذي عبر في المقدمة وسأعود إليه في التعليق على الهامش الشعري للفصول. لكنها على الرغم من ذلك امتلأت بالتأمل والرصد الاستكشافي للحياة والعلاقات. حققت ذلك في مسارات متعددة؛ بما يخص التعامل مع الاكراهات الفنية (البناء والزمن والأسلوب والفضاء) وضوابط العوامل الدلالية وانسجامها. غايتي، ما لا يقوله النص، أو يقوله في غفلة من الكلمات ونواياها الواضحة المباشرة الصريحة. هذا النص الموازي أوسع من قصديات “هنادي” وتعدد الأدوات المستخدمة (الاستعارة من التراث ومن النصوص السردية العالمية بالإضافة إلى الشعر) هو تعدد للمعاني بقصديات النص.

الطاقة الانفعالية لا يمكن أن تتحول إلى إبداع إنساني. الفن انفلات من الانفعالات الشخصية، وهذه رواية قصيرة تقتحم التاريخ، ولن يتأتى لها ذلك بالاستناد إلى الأحقاد الصغيرة والانفعالات المصطنعة.
أين تخبئ الكاتبة مفاتيح “صفيحها”؟ ربما في بندول الزمن المتأرجح ونسيء فبراير .. اليوم الكبيس الذي لا يتكرر إلا مرة كل أربعة أعوام والذي ختمت به الرواية وفي خيالات الشعر وربما في اسم بطلها الرئيس وأخيه (سعد وسعدون.. ومقترحات الأخوين لما يمكن أن تضعه أمهما من أسماء حالمة).

المرأة في الرواية:


المرأة لا يمكنها تجاوز فرادتها في العمل، (ليلى الصغيرة، إيمان، الأم، الجدة؛ مغيبات الأسماء) كل امرأة أو فتاة هي قصة مختلفة، تواجه تحدي إلغاء الذات وفرض الصمت. ونساء الصفيح كن متفردات بشكل واضح رغم الطبيعة الرتيبة للمجتمع السائد.

نوفيلا شابة برداء صيفي قصير:


إذا كان الشعر مذكراً والرواية مؤنثة.. فإن نوفيلا "صفيح" شابة برداء صيفي قصير.. تزيّن شعرها بنصوص الفتنة.
كان الشعر عبر العصور ثورة في زمنه، وشعر الحداثة ثورة خالصة في زمنها.. فهل كانت الكاتبة، حينما لجأت إلى السرد، تخفي بطل ثورتها في عباءة الرواية القصيرة دون أن يثير الانتباه؟ هل لجأت إلى هذا التجديد إعمالاً في الثورة عمداً. هل كانت تعمد إلى حمايتنا من قتامة الصورة؟

الشعر، ضابط اللغة والإيقاع:


في البدء كان الشعر.. سحر الكلام. يقول أبو هلال العسكري إن من حق الشعر أن تكون ألفاظه كالوحي وأن تكون معانيه كالسحر. صوت الذات الإنسانية المعقدة المتقلبة في عوالمها الواقعية والتخيلية، وهو نفسه موضوع النثر وخصوصا السرد القصصي الذي يتميز بالخوض أكثر في التفاصيل الجزئية وعلاقاتها بالعالم الخارجي، إذا كان الموضوع المعتمد أو المادة الخام نفسه فما الذي يسمح للشعر بتكسير الحواجز ويقف بالسرد دون ذلك؟ الرواية معرفة، وفق وظيفتها التواصلية، ولكنها لا توضع بشكل مباشر على لسان الشخصيات. هي رؤية تخص نسج العلاقات الإنسانية والأشياء. تجسيد فضائي وزماني للمعنى الذي لا يوضع عارياً على شفاه الشخصيات. الشخصيات التي رسمت لنا تحت الصفيح كانت حقيقية. وإن كان الفعل السردي تصريفاً مشخصا -كما أسلفنا- لكم الخيبات والآلام تحاول الروائية أن تلقيها بسلاسة للتجاوز الحر، هنا وجب على أن تؤثث “هنادي” روايتها بالشعر الذي تسرب في إضافة تصوير مغاير ورؤية وصفية ودلالية مغايرة تعزيزاً للصورة الجمالية. الفعل السردي هو الرؤية الشاملة، بينما الأثر الشعري هو الرؤية الخاصة. رؤية مفتوحة، متنفس للآلام، لجوء شعري يصاغ خلالها المتخيل ويستقيم، تنطلق من خلاله العلاقات الإنسانية إلى آفاق أرحب. دون الغوص في ملامح الملحمة الخالصة. في النهاية، من منا يريد لقضية البدون أن تطول حتى تصبح ملحمة البلاد؟


يرى أدونيس أن الشعر هو رباط خلاق بين الحاضر والمستقبل، الحضور والغيب، الزمن والأبدية الواقع وما وراء الواقع.. السرد يعطي رؤية لهذا العالم والشعر يعطي صورة مختلفة.. فهي تعتمد على الخيال المنبثق من الفهم والرؤيا المختلفة للعالم.. في عملية التشكيل الداخلية، لكان لذاتية هنادي وقدرتها على الصياغة، والتعبير دور حاسم، فأسلوبها السردي ذو النبرة الشاعرية ونباهة الوصف والوعي بالتفاصيل والمشاعر الداخلية في السرد إضافة إلى الارتقاء إلى لغة الشعر العالية والمفتوحة في نهايات الفصول نقل العمل إلى مدار يختلف عن وصفه “تجربة” أولى إلى تجربة جديدة. بقدر تكثيف أحداث الخطاب، بقدر ما يقترب من سمات القصة القصيرة، إلى الدرجة التي يمكن أن يكون كل فصل قصة قصيرة قائمة بذاتها، إلا إن الترابط الداخلي حفظ شكل الرواية الخارجي. ورغم تنوع الأحداث، إلا ّ أنه يغلب عليها الاقتضاب واختصار المسافة، ومساحة تفاعل شخوصها مع تقنيات سردها الأخرى، فكما تتفرع الأحداث بسرعة ملحوظة، تتطور كذلك بسرعة واضحة.

البنية السردية في الرواية التجريبية (أكذوبة صفاء النوع):


لا بأس من العودة بالإشارة إلى الميزة الأصيلة في العمل الأدبي. وهي أن الكاتب مطالب بأن تكون له قدرات خارقة وغير عادية تمكنه من إعادة تشكيل اللغة ليعلو عن المستهلك، ويتجاوز التركيب إلى الصياغة والتعبير.

التميز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا، فالحدود بينها تعبر باستمرار والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك). ويعد الفيلسوف الهيجلي الإيطالي بينيديتو كروتشه من أوائل الذين عملوا على التقليل من وظيفة القواعد الكلاسيكية المعتمدة في الفصل بين الأنواع لأن الأهم بالنسبة للنص الأدبي روحه التي تنبض بالتجدد والاستمرار، ويرى (كروتشيه) أن الحالات الفريدة من المبدعين العباقرة تحتم كسر الحواجز لإعطاء شرعية أدبية للنص المتميز الذي يصعب التفريط فيه، وإن خالف النظام الكلاسيكي المعمول به في نوع سردي معين.
ما من أحد يجهل أن التاريخ الأدبي مملوء بالحالات التي يخرج فيها فنان عبقري على نوع من الأنواع الفنية المقررة فيثير انتقاد النقاد، ثم لا يتمكن هذا الانتقاد أن يطفئ إعجاب الناس بهذا الأثر العبقري، فما يسع الحريصين على "نظرية الأنواع" إلا أن يعمدوا إلى شيء من التساهل فيوسعوا نطاق النوع أو يقبلوا إلى جانبه نوعا جديدا، ويظل هذا النطاق قائما إلى أن يأتي أثر عبقري جديد فيحطم القيود ويقلب القواعد.
هناك علاقة وثيقة بين النوع والنص الأدبي كما تتضح أيضا الطبيعة الدياليكتيكية للأنواع الأدبية، فالأعمال الأدبية التي تشترك في سمات معينة تكتسب تدريجيا أحقية الانتماء إلى نوع معين، فالنوع إذن هو نتيجة تراكمات سردية تشكل نظاما معينا لكنه قابل للتغيير ضمن الحركة التاريخية.

ولكي يكون الفن مجدداً يجب أن يكون مختلفاً. كل نص جيد يحمل إضافات وانحرافات جديدة قد تتقاطع مع خصائص أنواع أخرى، مقولة النوع الخالص نافية للإبداع، لا تصلح لطبيعته المتجددة، مما يؤدي إلى ولادة أنواع هجينة تحمل خصائص أكثر من نوع أدبي، وما القصة الطويلة (النوفيلا) إلا أحد هذه الأنواع الهجينة التي تنبع هويتها من طبيعتها المتداخلة، ومن نسيجها الذي تحكمه تقنيات القصة والرواية معا. أو التي تستخدم تقنيات السرد بطريقة مغايرة مما يشيع في القصة والرواية. هنا السلطة للنص وصياغته وقيمته ومحتواه، لا للنوع الخالص الذي ينتمي إليه. أو لا يمكننا التساؤل: أوليست الرواية نوعاً "هجيناً" بحد ذاتها؟ هل هناك من ينكر وجود النص الشعري في الرواية حتى ينكره في أي أنواع القصة؟ هل تتحول الرواية الشعرية بالكامل إلى "ملحمة شعرية" بمجرد عبور عتبة اللغة العالية؟

مدخل أخير:


لم ننته بعد من قراءة هذا الجنس الأدبي، وحتما لا تكفي القراءات الانطباعية والنقدية التي تناولت هذا العمل. هذا العمل بصمة في عالم الرواية القصيرة يستحق دراسة أكاديمية ونقدية جادة بقياسه إلى الأعمال المجاورة، ومتانة السرد والنصوص الشعرية فيه. هو، كذلك، عمل وضع هنادي الشمري في سلسلة السرد النسوي في الكويت ومن أوائل الروائيات بين الكويتيين البدون. بهاتين العينين يجب أن يُرى ويُدرس هذا الأثر.

ــــــــــــــــ
قراءة في الرواية القصيرة "صفيح" للروائية والشاعرة هنادي الشمري قُرئت في ملتقى الثلاثاء الثقافي بتاريخ 24 فبراير 2015.

Tuesday, June 3, 2014

حَكَتْ سارة...

وأقول لها:
صديقتي، أُحدّثك من حيث فشل طه حسين!
أكتب إليك من البلاد التي لم تحفظ عهده في تثبيت التعليم حقاً راسخاً كالماء والهواء والغذاء.. أزف إليك خبر البلاد، التي كانت تدعى "وطنا" فغدت منفى، وألقت بك وراء الأطلسي.
أكتب لك عن بلاد وصلت نسبة الأمية ثلث سكانها بما يقارب المائة مليون نسمة، ونسبة إنفاقها على التعليم لا تتجاوز 3٪ من ناتجها الوطني، تنفق 100 مليار دولار على السلاح ولا يحظى التعليم بما يوازي نصفها. الأمن هنا يا صغيرتي يأتي أولاً.. هنا الأمن أثمن من التعليم والعمل والصحة كلها مجتمعة!

ثم أتمضمض الدم إذا لمع في العين أطفال يلتحفون الأرصفة.

تحلمين ويحق لك الحلم، ولكن هذه الأرض غير متاحة لأحلام 6 آلاف زهرة مثلك.

لن أكون واقعياً جداً لأقسو عليك، ولا حالماً لأغبنك بإدافة نصف حقيقة مرّ.
ما تقولين أنه "سلاح" العلم الأمضى لم يستطع أن يغير واقعنا في تاريخ الابتعاث إلى الخارج طوال القرن الماضي، حتى غدا "الابتعاث" إلى الخارج وسيلة يتخلص بها المتخمون من "صداع" الأمل في زمن العلم والعولمة و"ستاربكس".

أنبيك أن قبضات إخوتك سقطت في كل أوجاع البلاد، ولم تتمكن من وضع زهرة في جوارها الصحيح في مكان القرار. 6 آلاف حلم هو حلم قصير في ليلنا يا سارة. 100 ألف بالكاد تكفي.. ولن تكفي لتزيح الظلمة التي رانت عقودا. سقطنا في اختبار الولادة العسير، وبتنا ندفئ صغار الأحلام ساعة في ثكنات العسكر وساعة في منابر الوعاظ.. أترابك يا سارة يلتحفون الطوائف للنجاة من الطوفان. ويتخذون "القدور" مراكب للهرب!

هل من الحكمة أن ننتظر فجرك؟ هل من الحكمة أن يبزغ الفجر قبل تمام الليل؟

أي حلمٍ تنشدين يا سارة.. وأي وعد تحمله لك الساحات؟
وعد الحرية؟! وأقصى ما نطاله حرية العَدْو أمام رصاصة لقناص، أو خلف راية مستعارة، أو أسفل جنازة؟!

"قضبي أرضچ" يا صديقتي.. هي "أرض الأحلام" وما عداها، في مدارنا، طوق الكوابيس.

ولا يفوتني في نهاية هذا الفزع والفَرَق على بهائك، أن أضم كفي إلى أكفكم، ونرمي سوية قبعة التخرج، أنت وصحبك غبطة إلى أعلى سماء، ستمطر هنا يوما.

وعد سارة ما زال طليقاً على صفحات الشبكة [هنا]

آخراً، لن أعتذر عن تأخر المقال الأسبوعي، فكتابة مبرمجة لا تهمكم، هي حتماً لن تغريني!

-----------------------------

نشر في آراء الإلكترونية بتاريخ  2014/6/3

Tuesday, January 28, 2014

عزيزي الله!

نشر موقع الحوار المتمدن، في عدده: 2214 بتاريخ 8 / 3 / 2008، ترجمة مشفوعة بقراءة للكاتبة والشاعرة المصرية، فاطمة ناعوت، نقلت فيها طلب معلمة أميركية من الأطفال "أن يوجهوا رسائل إلى الله في الكريسماس، يسألونه عن أحلامهم وأمنياتهم. أو يوجهون إليه أسئلة عما يخفق الأبوان والمعلمون في الإجابة عنه". وصلت فيه إلى نتيجة مفادها أن "الجهل يفتح مدارك الإنسان نحو أقصى مدارج السؤال"، وأن المعرفة الحتمية تقص أجنحة التحليق في أفق الإبداع، وتخمد شطحاتها بالنظرية، وبالحكم المسبق. تميزت إجابات الأطفال بالنقاء والبراءة والعفوية إلى درجة الدهشة التي تسابق الخيال وتطاول قمم الشاعرية.
لستُ، هنا، في معرض إعادة المقال ومبانيه وأفكاره، لكنني استعدته اليوم تحديداً، بعد أكثر من خمسة أعوام لأقيس أفكاره على واقع التربية العملية للأطفال في عالم اليوم، والمدى المتاح لهم في التساؤل وتشكُّل الوعي، إسقاطاً على ما ندعيه من إيمان بحرية الرأي والتعبير وحق الطفل في الحياة والأمن والتنشئة السليمة.
نشرتُ اليوم في معرفي على موقع التواصل الاجتماعي، "تويتر"، بعض التغريدات التي تنقل مجموعة من الرسائل البكر التي كتبها أولئك الأطفال، موقناً من الفصل الأول أننا لا نقرأ، وإن قرأنا فإن ذاكرتنا القصيرة: ذاكرة الطير الأزرق، سرعان ما تنسى وقلَّما تُثبت!
ربما كنت أريد أن أتبين، شخصياً، وجود فرص سانحة لأجيالنا القادمة في المتخيل من العوالم المخيفة المقبلة. ربما كنت أبغي قياس مدى إيماننا بحرية الأطفال في التعبير عن مخاوفهم وتساؤلاتهم... ربما كنت أريد أن أعرف إن كان أطفالنا ما زالوا يعيشون نفس القلق ويسألون ذات الأسئلة؟ وهل مجتمعاتنا التي تتباكى على آلام الطفولة، حولنا، تعرف حقاً ما هي آفاق حقوق الطفل؟
لا أنكر أني فوجئت لأمرين؛ أولهما يصب في مصلحة الطفل، فقد وجدت تفاعلاً إيجابياً كبيراً في المتابعة، وتكرار إعادة رسائل الأطفال الأنيقة مرات عديدة وتفهماً كاملاً، حتى أن إحدى المعلمات تعهدت بأن تطلب من طلابها أن يكتبوا رسائلهم الخاصة بحرية تامة.
أما ثانيهما، فكان غريباً بصورة مزدوجة!
وجه الغرابة فيه، أن كثيراً من متابعيّ المعروفين قرروا إلغاء المتابعة مباشرةً، وعدم الاستماع وعدم التثبت، وهم الكثرة، أما القلة فلم تقرأ أصل الرسائل ولم تقم بأي بحث بسيط تتعرف به إلى أصل الموضوع، ولا كلفت نفسها عناء السؤال المباشرة قبل إطلاق الحكم الصلب والشتيمة الصلفة التي وصلت إلى الاتهام بإساءة الأدب مع الخالق! والإصرار على الإساءة بـ "تحريم" نقل تساؤلات الطفولة إلى العلن!
في مجتمع لا يقرأ أكثر من 4 دقائق سنوياً، لا أتوقع معرفة، كما أسلفتُ، بموقع الحوار المتمدن أو مقال الأخت فاطمة ولا قصة المعلمّة التي انتشرت أيضاً في المنتديات حينها. لكن ما أثار استغرابي أننا لا نقرأ ولا نستدرك قبل أن نهاجم ولا نلتمس العذر حتى وإن كان البيان واضحا مشهراً أمام أعيننا!
أي أمل، وهذا هو الحال، لدعاوانا بالمطالبة بحرية التعبير، إن لم تترافق مع حرية البحث العلمي وحرية الاعتقاد والتحرر من الخوف والاضطهاد والإخفاء! هل يصح أن تكون لي حرية التعبير والسؤال عما أشاء، وفي نفس الوقت يحق لك أن تفعل بي، جراء ما أقول وأؤمن، ما تشاء؟
حرية البحث والسؤال والتعبير، حقوق أصيلة، وهي جزء من منظومة لا تنفصل ولا تتجزأ قيمُها، حزمة كاملة يجب الدفاع عنها وحمايتها وليس فقط الإيمان بها... وإذا كان هذا حظ أحد الكبار الذين نقلوا تساؤلات الطفولة، فما هو قدر الشفقة الذي ينبغي أن نسكبه على أرواح الصغار؟!

----------------------------
هنا، استعادة لبعض رسائل الأطفال الأميركيين فيما كتبوا إلى "القدير" دونما تدخل من مؤسسة البيت أو المدرسة:
عزيزي الله،
في المدرسة يخبروننا أنك تفعل كلّ شيء. مَن الذي يقوم بمهامك يوم إجازتك؟
جين
عزيزي الله،
هل فعلا كنت تقصد أن تكون الزرافة هكذا، أم حدث ذلك نتيجة خطأ ما؟
نورما
عزيزي الله،
بدلا من أن تجعل الناس يموتون، ثم تضطر لصناعة بشر جديدين، لماذا لا تحتفظ وحسب بهؤلاء الذين صنعتهم بالفعل؟
جين
عزيزي الله،
مَن رسم هذه الخطوط على الخريطة حول الدول؟
نان
عزيزي الله،
قرأتُ الإنجيل. ماذا تعني كلمة “ينجب”؟ لم يجبني أحد.
مع حبي، آليسون
عزيزي الله،
هل أنت فعلا غير مرئي، أم أن هذه حيلة أو لعبة؟
لاكي
عزيزي الله،
من فضلك ارسلْ لي حصانا صغيرا. ولاحظ أني لم أسألك أيّ شيء من قبل، وتستطيع التأكد من ذلك بالرجوع إلى دفاترك.
بروس
عزيزي الله،
ذهبت إلى حفل الزفاف هذا، ورأيتهم يقبّلون بعضهما في الكنيسة. هل هذا جائز؟
نيل
عزيزي الله،
هل حقا تعني ما قلته: رُدَ للآخرين ما أعطوك إياه؟ لأنك لو تعني ذلك فسوف أعيد لأخي ركلتَه.
دارتا
عزيزي الله،
ماذا يعني أنك ربٌّ غيور؟ كنتُ أظنُّ أن لديك كل شيء.
جين
عزيزي الله،
شكرا على أخي المولود الذي وهبتنا إياه، أمس، لكن صلواتي لك كانت بخصوص جرو! هل حدث خطأ ما؟
جويس
عزيزي الله،
لقد أمطرتْ طيلة الإجازة. وجنّ جنون أبي! فقال بعض الكلمات عنك مما ينبغي ألا يقولها الناس، لكنني أرجو ألا تؤذيه بسبب ذلك على كل حال.
صديقك... (عفوا لن أخبرك عن اسمي)
عزيزي الله،
لماذا "مدرسة الكنيسة" يوم الأحد؟ كنت أظنُّ أن الأحد هو يوم إجازتنا.
توم أل
عزيزي الله،
إذا كنا سنعود من جديد في هيئات أخرى - من فضلك لا تجعلني جانيفر هورتون لأنني أكرهها.
دينيس
عزيزي الله،
إذا أعطيتني المصباح السحري مثل علاءالدين، سوف أعطيك بالمقابل أي شيء تطلبه، ما عدا فلوسي ولعبة الشطرنج خاصتي.
رفائيل
عزيزي الله،
شقيقي فأر صغير. كان يجب أن تمنحه ذيلا. ها ها..
داني
عزيزي الله
قابيل وهابيل ربما ما كانا ليقتلا بعضهما البعض جدا لو أن أباهما أعطى لكل منهما غرفة مستقلة. لقد جرّبنا ذلك ونفع هذا الأمر مع شقيقي.
لاري
عزيزي الله،
أحب أن أكون مثل أبي عندما أكبر، لكن ليس بكل هذا الشعر في جسده.
سام
عزيزي الله،
ليس عليك أن تقلق عليّ كثيرا. فأنا أنظر للجهتين دائما حين أعبر الطريق.
دين
عزيزي الله،
أظن أن دبّاسة الأوراق هي أحد أعظم اختراعاتك.
روث م
عزيزي الله،
أفكر فيك أحيانا، حتى حين لا أكون في الصلاة.
إيليوت
عزيزي الله،
أراهن أن ليس بوسعك أن تحب جميع البشر في العالم. يوجد أربعة فقط في أسرتي ولم أستطع أن أفعل ذلك.
نان
عزيزي الله،
بين كل البشر الذين عملوا من أجلك، أحبُّ أكثرهم نوح وداود.
روب
عزيزي الله،
إذا شاهدتني يوم الأحد في الكنيسة، سوف أريك حذائي الجديد.
ميكي دي
عزيزي الله،
أود أن أعيش 900 عام مثل ذلك الرجل في الإنجيل.
مع حبي، كريس
عزيزي الله،
قرأتُ أن توماس إديسون اخترع اللمبة. وفي المدرسة يقولون إنك من صنع النور. أراهن أنه سرق فكرتك.
المخلصة، دونّا
عزيزي الله،
الأشرار سخروا من نوح: “تصنع سفينةً فوق الأرض الجافة أيها الأحمق!” لكنه كان ذكيًّا، كان ملتصقا بك. هذا ما سوف أفعله أيضا.
إيدين
عزيزي الله،
لم أكن أصدق أن اللون البرتقالي يمكن أن يتماشى جماليا مع اللون الأرجواني، حتى شاهدت غروب الشمس الذي صنعتَه يوم الثلاثاء. كم كان ذلك جميلا!
إيوجين
عزيزي الله،
لا أعتقد أن ثمة من يمكن أن يكون ربًّا أفضل منك. حسنا، فقط أريدك أن تعرف أنني لا أقول ذلك لأنك أنت الربُّ بالفعل.
تشارلز
-------------

نشر في موقع آراء بتاريخ: 28/01/2014 



Tuesday, January 21, 2014

"الصهد".. رواية "البدون !


كلُّ عابرٍ إلى "صهد" ناصر الظفيري؛ وجد ما يغريه بالاتصال به. مَن توقف عند الكتاب الأول منه غمرته غابة المانجروف، وسحر الصحراء، وذئب الغريزة البكر. ومن انغمس في بقية فصول الرواية تجاذبته حبال الأواصر الإنسانية وتلاحق الأحداث في حبكة درامية - حديثة - لا تغيبُ عنها الإثارة منذ الدهشة الأولى. لقد تميزت رواية "الصهد" بمهارة التشكيل الفني وبناء الأحداث. إنها عمل كُتب عن مجتمعٍ محلي بحبرِ العالم... وبأصابع الجنيَّات.

شخصيات عدة تناوبت السرد بوقع رشيق، وظّفها "الظفيري" ليعبِّر عن اختلاف منظور الأجيال للظواهر الاجتماعية والسياسية. وكل شخصية منها أخذت حقها في إضاءة شيء من هذا الاختلاف. مفارقات ساهمت في "تجديل" ضفائر الرواية ونسج عباءة أفكارها. كما تناوب الإيقاع في فصولها - بين البطيء المكثف الذي غالبا ما برز في الكتاب الأول، والسريع في جزئها الثاني - تبعاً لميزان العصر وتسارع الأحداث اللاهث أحيانا؛ كما في ختام الرواية، وكأن الراوي أراد أن يرمي بقلمه ويفرَّ من برودة الفقد وحرارة الدموع. كل هذا رسمَ فضاء النص وإيقاعه الكلي في موسيقى متناغمة، ربما ساعدت قراءه على الاشتباك مع الرواية حتى "منجل" النهاية.

اجتهد "الظفيري"، وهو يستعرض الأحداث التاريخية، أن يلبس ثوب الحياد، فقدم أكثر من شخصية تتعدد رؤاها السياسية والاجتماعية والدينية، مجتهدًا الابتعاد عن الخطابة الأيديولوجية ولغة الناطق الرسمي، ملتصقا بالرؤية الفنية الخالصة وعناصر التشكيل الجمالي، وإن كانت الرواية - في بعدها التاريخي - تطرح بعض التساؤلات من باب علاقة الفرد "البدون" بالمجتمع والأحداث التي تدور حوله.

من أي الأبواب يمكن لنا الولوج إلى عبارة: "الصهد" رواية "البدون" ؟!

الاحتمال الأول البسيط للعبارة، والفكرة المباشرة فيها، هي أن الراوية الرئيسي ومركز الأحداث في أغلب مفاصل العمل كان شخصية من البدون (شومان، علي، ليال... الخ).
والاحتمال الثاني، هو "الفكرة التأسيسية" التي تطرحها "الصهد". وهنا نحتاج شيئا من التفصيل. ففكرة الوطن والانتماء والمنفى والغربة وأزمة الهُوية، وحتى الامتدادات الثقافية في الكويت؛ كلها غير متفق عليها. فكل مجموعة من المجاميع التي تشكل "أهل" الكويت لها تاريخها الخاص وجذورها الثقافية الخاصة التي ترسم رؤيتها للتاريخ المَحكي، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع التاريخ الرسمي، أو المدون منه.
كل هذه المجاميع؛ كان لها دور معين في تاريخ البلاد، يتمدد وينكمش وفق أمواج السياق، وبناءً عليه تورِّث أفكارها إلى مستقبل أبنائها. وهذا أول مفاتيح فك المشهد الوطني، وطرح الرؤى والأفكار حوله؛ من زاوية أبطاله ووجهات نظرهم.

"الصهد" تنقل "البدون - العضوي" من هامش المشهد الوطني إلى صلب المركز، وتبني حوله الأحداث. فلا يكون فيها مجرد عنصر مكمل لعناصر القص بحكم الواقع، كما في روايات متعددة لامست وضعه من ناحية أو أخرى وفق حبكتها الدرامية. أعمال ربما اتكأت أساسا على النسب الإحصائية الملتبسة لتعداد البدون السكاني وتأثيرهم في المشهد الكويتي العام!

بينما يحضر في "الصهد" كامل المشهد الاجتماعي والسياسي والتاريخي، ولا يغيب "البدون" عن أي من سياقاته. وتتعدد فيه مواقف الشخوص الممثلة لأفكار متنوعة ضمن الهُوية "البدونية" الشاملة يسهل معها تعقب نماذج السلوك وطريقة الحياة. 

"البدون" في "الصهد" ثابت في بؤرة السرد وفي كل مستوياته الأخرى. أي أن للبدون سردياته الخاصة التي لا علاقة لها بموقفه السياسي أو مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية، ولا بعشقه أو بغضه لفكرة الوطن أو محيطه المجتمعي. ولا حتى "جنسيته" ! فكلنا "بدون" بشكل أو بآخر، وكلنا منفيون لسبب أو لآخر.

إذا اقتنعنا بهذا المستوى من فك رموز الرواية، يمكننا أن نسقط بسهولة شخصية "ليال" (البدون) على رمز الوطن الشاب الذي يفتش عن أحلامه وهُويته وكيانه الحر، ويتلقى الصفعات والخيانات والاغتصاب والامتهان في كل مرة. حتى انتقامه الصغير كان ناقصاً... حلم لذيذ يغيِّب عن وعيك - وأنت تولجه القبرَ - التيقنَ إن كانت تلك مقبرته الصحيحة! ونقتطع لـ "ريما" (الفلسطينية) حصتها من القضية إذْ تقول: "أنا مجموعة أوطان تتقاسم إنساناً، وتتجاذبه، دون أن يكون له أدنى إرادة أو رأي في اختيار مكانه".


----------------------------------------------------------
نشرت في آراء بتاريخ:
21 / 1 / 2014 



Thursday, January 2, 2014

شخص تتمنى له عاماً سعيداً



عروس الشهداء الصحافية نورس النعيمي
(أيها القاتل في باب البيت : شكرًا ، رصاصاتك زفّت "نورسي" عروساً إلى الجنان.. نجَحت هي في اختبارها الإنساني وفشِلت في اختبارك.. سلَبْت حقيبة يدها.. يا لبؤسك .. أما هي فلم تترك لك كراسها المبلل بأحمر الشهادة، والمعنون: المدخل إلى حقوق الإنسان!

بنيّ.. نعم، كلكم أبنائي، أنت لم تقلع عبير زهرتي وإن دهستها بقدمك.. من سوى الأم تزرع من كل هذا الألم والخراب غيمة من الأمل. من يقطع دائرة الفناء؟ أنا عراقكم.. يا بني.

أقبل رأسك.. لا تَخَف، هو الخوف الذي اختار لك الصمت، أنت لا تدري ما تصنع، وثكلي لن تبلغه إلا أمك ساعة الثكل بك.. أنا وحدي من أعلم يقيناً أن عصفورتي في الجنة، وأنك كنت دليلها حيث هناك. سأبتسم لأحلامها.. سنرقص معا في حدائقها ونغني.. وأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك.)



إنه درس الإنسانية من أم الصحافية العراقية الشهيدة نورس النعيمي مقدمة البرامج في قناة الموصلية لقاتل ابنتها بعد أن قبلت رأسه!

 

روحها التي امتزجت بروح الله، ابن مريم، وهو يُصلي لمن أساء له، منادياً: "لو تكلمتُ بلغات الناس والملائكة ولم تكن لي المحبة، فما أنا إلا نحاسٌ يطنُّ أو صنجٌ يَرنّ"، روحها الصالحة التي لا تخاف من قتل الجسد، بل من هلاك الروح في لظى البغض. هي ربة الخراف، لا تدعُها مذعورة في الليل تتكئُ إحداها على الأخرى، تبذلُ مهجتها دونها وتفتح بابها للنور والخلاص.



تضيءُ السراج لكل من في البيت، ليست أسطورة العالم - كما كان مانديلا - ولكنها نبراس المعذبين في الأرض، تنجو من عاصفة ولا تعثر.. تسند الشجرة الإفريقية إن لزمها القيام!



تشير إلى أفلاطون أسفل قدميها، تنبؤه أن السعادة مستحيلة وإن امتلكتْ بصيرة في الخير وقدرة على دحر الشر.


تسبق طاغور في حدائق القلب تزيل الأشواك.. تعَلَّمتِ الكثير.. ولم يبقَ للأشواك دروس تلقيها..
..

الضمير جرح لا يقتل ولا يلتئم "يا ولدي، أنت جاهلٌ أميٌّ لا تعرف القراءة والكتابة.. وابنتي تتحدث لغتين"..



لو كانت تتحدث لغتك أماه فهي هنا الآن بيننا.


لأمهات اللغة.. للغة الأمهات في كل بلاد الحروق.. كُنّ بخير.



--------------------------------------
(فيديو) الرواية هنا
--------------------------------------
نشرت في آراء بتاريخ:



Wednesday, December 18, 2013

حمَّام شتوي بارد !

خبر أول:
العارضة ميريام كلينيك، تكشف عن تعاطفها مع اللاجئين السوريين، فتخلع ملابسها، دعماً لهم، من أجل التصوير عارية على الثلج .

فاتحةٌ عارية:
أنا، وكما جرت العادة حين يفتش كل منا عن عاره الخاص في جملة قضايانا، لا أجد عاراً أكبر من كلمة "لاجئ" المضافة، في الخبر السابق، إلى المشردين السوريين على التراب السوري أو خارجه!

التراب السوري، الذي كان يؤوي من العراقيين فقط أكثر من مليون و 700 ألف نسمة إبان حكم طاغية بغداد وما تلاه من الإطاحة به وانغماس العراق في ما يشبه الحرب الطائفية بين عامي (2005 - 2007). ترابٌ كان بسبب استقراره السياسي والأمني النسبي، يعتبر محطة لجوء فُضلى للفلسطينيين الذين تجاوزت أعدادهم أكثر من نصف مليون نسمة، وفق إحصاء عام 2011، يقيمون في 12 مخيماً رسمياً وغير رسمي. يحق لهؤلاء جميعا التعليم المجاني في المدارس السورية الرسمية وكذلك العمل والطبابة والتملك ضمن شروط خاصة بالفلسطينيين!

هو التراب الذي احتضن الفارين من المذابح الأرمنية عام 1915. ليقيموا في حواضر عريقة مثل حلب ودير الزور ودمشق واللاذقية. وبعد حوالي قرن على الهجرة الأرمنية يصل عددهم إلى حوالي 200.000 نسمة يتمتعون بالجنسية السورية وحقوق المواطنة الكاملة.

على التراب السوري، أيضاً، يقطن مهجرو الجولان قسرياً، بعد ضغط آلة الدمار الإسرائيلية في حرب 1967 وما بعدها، والذين وصل عددهم عام 1996 بحكم النمو السكاني إلى ما يقرب من نصف مليون مواطن.

في حرب تموز 2006، ونتيجة القصف الإسرائيلي العنيف على لبنان، استضافت سوريا المهجرين اللبنانيين من مناطق الاشتباكات. استقبلهم الأهالي في البيوت، ورفضوا بقاءهم في المدارس أو في مخيمات على الحدود، ورفضوا تسميتهم إلا بـ (الضيوف) يتشاركون معهم المأكل والمشرب، ويذكر اللبنانيون عبارة كتبت قرب أحد الأفران في منطقة المهاجرين - إحدى مناطق دمشق - نصها: "الخبز مجاناً للإخوة اللبنانيين".

في أي جحور اللاوعي غاص كل هؤلاء؟
أين غابوا حتى يتكفف السوريون الآن في عراء الحدود وفي الخيام للعام الثالث على التوالي؟ هل أقصى ما يطيقه شقيق الأزمة والأزمنة وتلازم المسارات حينا وتعارضها أحيانا أن يسمح - عفواً - لأطفالهم بالتسول في ساحة سان جورج؟ هل أقصى ما يطيقه الشقيق الخليجي أن يمد أفق بطاقة زيارة هزيلة؟ أو يتساهل في تجديد الإقامة التي ناهز سعرها الألفي دولار للعامل الواحد في وقت من الأوقات؟ كلفة إقامة وعمل لمواطن عربي في بلد عربي! هل أقصى ما يطيقه أن يجرّد "سوأته" نجدة للصارخات من بني جلدته؟! هل الجار العراقي أقل جحوداً وأبناء اليوم هم الأبناء ما ألقوا عصا الترحال إلا البارحة؟

إنّ عورة أي من هؤلاء؛ لا تختلف عندي، كثيراً، عن عورة "المناضلة" ميريام وهي تواسي بها "اللاجئ" السوري.

أياً كان موقفك من النظام أو المعارضة، فهذه ليست قضيتي ولا قضية سوريا اليوم، القضية البكر هي أن أرض الشام وأهلها لم يعاملوا النازحين العرب وسواهم في أي وقت كالغرباء أو المشردين. فلم يجدوا إلا الأحتضان والإيواء وحماية الأم الشامية "العدية" الثاكلة لا المستأجرة.

هل تلاشى الوفاء في نفوس هؤلاء جميعاً؟ لا أتحدث عمّن عادوا يحملون البنادق ليلفظوا رصاصاتهم الصدئة في صدر الياسمين. ولست من محللي الصوملة واللبننة والعرقنة والأفغنة والبلقنة، وكل القيء البارد للمرضى المتقيحين بحُمَّى العقائد السياسية والفكرية والطائفية، وكل هذا الوعي الزائف. أسأل عن هؤلاء تحديداً حتى لا أُلام لاستنهاضي قيماً سادت ثم بادت في هذا البلاء العربي الهرِم. أسأل عن هؤلاء فقط لأن "الغريب للغريب نسيب"!

رغم ثقتي ببعض المجاميع الفردية التي تجمع المعونات للاجئين؛ إلا أنه، ورغم احترامي لمقاصدهم النبيلة، أجدهم طارئين على منطقة الصراع، وعلى العمل الإنساني. فهم؛ إما غير مؤهلين بشكل كاف للتعامل مع قضايا النزوح، أو زائرون يمارسون نوعاً من السياحة "الأخلاقية" يعودون بعدها إلى مدنهم وأشغالهم براحة ضمير أكثر ومسؤولية أقل، أو أنّهم مؤدلجون يمايزون بين المحتاجين تبعاً لرؤاهم وصورهم النمطية الأشد بؤساً من النزوح ذاته. للصنف الأخير أعيدها كما قالها مؤسس جمعية العون المباشر، الراحل عبدالرحمن السميط، من قبل: لن يفلح مسعاكم مالم تتركوا مشاكلكم خلفكم وتتجهوا للإنسان وتكافحوا الحاجة.

ولن نفلح في القضاء على الحاجة أو تحسين ظروفها؛ وهذه التجارب شاخصة أمامنا من القرن الإفريقي إلى السودان إلى مصر، والعراق ولبنان وأفغانستان غير متجاوزين للأزمة الأخلاقية المعتمة في الضمير الإنساني والمسماة: فلسطين. 

أعداد المهاجرين السوريين في القرنين الماضيين لم تصل إلى حد هذه المأساة التي تعتبرها الامم المتحدة "أسوأ كارثة تصيب البشرية منذ الحرب العالمية الثانية". وتقول المنظمة الدولية أن 16 مليون سوري، أي حوالى 75% من سكان هذا البلد، تأثروا بالحرب.

الأمم المتحدة وأجهزتها وطواقمها هي التي تباشر بالتعاون مع المؤسسات غير الحكومية الدولية أحوال اللاجئين السوريين، في معسكرات النزوح والمشردين بسبب الأعمال العسكرية في الداخل، بمنهجية وخبرة تغيب عن كل المجتهدين الطارئين. وهي وفقاً للقانون الإنساني من تملك تقديم الحماية القانونية، والحماية الجسدية، وتقديم المساعدات الإنسانية. وهي التي ستبقى بعد أن يرحل أو يكلّ المنتفعون والطارئون، وإن طال الأمد، وهي التي تملك الخبرة والمعرفة والتنظيم الذي تحتاجه عملية شبه مستحيلة من هذا النوع. فالأونروا - وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - مثلاً، ما زالت تقدم المساعدة والحماية والمناصرة لحوالي 5 ملايين لاجئ فلسطيني في أماكن متفرقة في الشرق المتسخ منذ أكثر من ستين عاماً.

الأمم المتحدة استطاعت أيضاً إعادة بعض الأمل إلى الصومال المفكك بالتعاون مع المجموعة الإفريقية وإبعاد لاعقي الدم وتثبيت السلم في العاصمة ومساعدة النازحين في رحلة العودة. رجال الدعم المباشر في الأمم المتحدة هم من يعرفون حاجة طفلة تتشبث باكيةً بباب الخيمة، لأنها لم تستطع إنقاذ دميتها بعد أن هوى سقف البيت. أو طفلاً يرسم "صوبته" العتيقة قرب الجدار المتهالك ليدفئ قلبه.

تقول "ناسا" إن قادم الصقيع أسوأ... ولا يلزمك أكثر من أن تكون "ابن ناس" لتجد موقع التبرع المباشر لأي من أجهزة إغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أو الهيئات الدولية غير الحكومية.

خبر ثان:
ناشدت الأمم المتحدة الدول المانحة أمس، الاثنين، توفير 6.5 مليار دولار لسوريا ودول مجاورة لتقديم المساعدة لإجمالي 16 مليون شخص كثير منهم جوعى أو مشردين جراء الصراع الذي أوشك أن ينهي عامه الثالث. وتمثل المناشدة من أجل سوريا نصف خطة التمويل الاجمالية البالغة 12.9 مليار دولار لمساعدة 52 مليون شخص في 17 دولة والتي أطلقتها أمس، الاثنين، فاليري أموس منسقة الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارىء خلال اجتماع للدول المانحة في جنيف.

خاتمة:
"أيقتلكِ البردُ؟
أنا يقتلني نِصفُ الدفءِ...
ونصفُ الموقف... أكثر!" (مظفر النواب)
----------------------------------------------------------
نشرت في آراء بتاريخ:



Tuesday, November 26, 2013

ترحيل سعودي إلى.. نيجيريا !


ما تلبث أن تختار عنوانا كهذا حتى تنهمر عليك الردود العنصرية والتشكيكية أو تلك التي تحتوي على إساءة لأي من الأعلام الواردة فيه بما فيهم كاتب المقال نفسه! 

وربما كانت إحدى هذه الدوافع هي ما يدفعك أنت شخصياً إلى الاستمرار في القراءة.. فأنصحك أن أن لا تتوقف هنا.

الخبر الحقيقي الموثق بالصوت والصورة، تناقلته وكالات الأنباء بما فيها موقع "آراء" الإخباري، ويعود لشاب سعودي اسمه "وليد" يعاني من مرض نفسي يمنعه من الكلام. جرى ترحيل "وليد" ضمن حملة إبعاد مخالفي الإقامة في العربية السعودية إلى نيجيريا -من دون بلاد الأرض- التي قضى فيها 35 يوما قبل استرجاعه في أقصى حالات الإنهاك والجوع.

لماذا لم يتم التأكد من هوية المواطن وليد قبل احتجازه أصلا عبر الطرق القانونية للتعرف على الهوية؟ لماذا لم يعرض على لجنة طبية للتثبت من سلامته العقلية؟ لماذا أبعد إلى نيجيريا تحديدا؟ هل تم إبعاده إلى هذا البلد الإفريقي بالذات نتيجة للون بشرته؟ ماهي الجهات التي استقبلته هناك؟ وكيف قامت باستقبال أجنبي دون أوراق رسمية؟ أين تم احتجاز "وليد" في نيجيريا ولماذا لم يتم العناية بغذائه ودوائه؟ وإن كانت هذه حالة واحدة لتعسف جرى لمواطن مريض، فكيف يمكن التحقق من ضمانات الكرامة الإنسانية للعمال المهاجرين الذين تجرى ملاحقتهم واعتقالهم وترحيلهم؟ 

أسئلة كثيرة يطرحها هذا الخبر وأضرابه، إلا أن الأهم أنها تطرح إشكالية بنوية في آليات تعاطي مجتمعاتنا مع قضايا حقوق الإنسان بشكل عام، تبدأ من كيفية استقبال الخبر والتعرف على طبيعته وما يطرحه من قضايا قد تعد انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، وما هي آليات الحماية والدفاع المتوفرة لضحايا هذه الإنتهاكات.

إشكالية معرفية ثقافية، وإشكاليات اجتماعية سلوكية، بالإضافة إلى تقصير فاضح من الأجهزة الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في احترام وإنفاذ الاتفاقيات التي صادقت عليها الدول، وتخاذل مهين في متابعة مثل هذه الحالات وتوعية المجتمع بحقوقه وواجباته.

في المقال السابق أكدنا على أن العالم يسعنا إلى تثبيت الحقوق الأساسية وإعطائها الأولوية في أجندات حقوق الإنسان، وبالتوازي تعزيز ثقافة المعرفة بمنظومة الحقوق والواجبات بالتعاون مع الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد. بات الانتهاك حولك في كل مكان؛ في البيت والمدرسة والشارع والمؤسسة والحقل والوزارة، وكلنا مسؤولون بشكل شخصي عن أي انتهاك نشاهده وإن لم يكن موجها لنا شخصيا، مجرد الصمت والتجاهل أو السخرية يجعلك إما ضحية ثانوية للخوف والجهل، أو شريكاً في جريمة التغطية. اليوم قد تكون الشاهد، وغداً حتماً ستكون الضحية، لأنك لم تقطع دائرة الانتهاك حينما كان الأمر بيدك. 

يؤكد لنا "وليد" نفسه أنها ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها بسبب مرضه، ويؤكد الخبر المنشور أنه ليس الوحيد.

كفاية ..


عندنا كما لدى جيراننا خير كثير. دليل فاضح آخر على تقصير مؤسسات المجتمع المدني في القيام بدورها في تحديد الانتهاك ورصده وتوثيقة ودعم الضحية بتوفير الحماية النفسية والغطاء القانوني تتجلى في قضية الدكتورة كفايه ملك.

وأول ما يثير الاستغراب، هو صمت الجمعية الطبية التي تنتمي إليها الدكتورة ملك! فالجمعية لم تقم بتحقيق خاص بوقائع حادثة النقل التعسفي-إن صحت، ولم تصدر أي بيان بشأنها، ولا شاركت بشكل رسمي -وهو من مسؤولياتها- في دعم حقها وزملائها في الاحتجاج والاعتصام النقابي لتأكيد هذا الحق الأصيل لجميع العاملين في الدولة أو القطاع الخاص لما بدأ الاعتصام. وبتقصيرها هذا تركت الأطباء أمام جبهتين؛ مواجهة أي تعسف قد يطالهم من جهة عملهم، والاتهامات التي تصلهم من زملائهم العاملين والمواطنين بالتقصير في أداء واجباتهم نتيجة الإضراب. 

ذات التخاذل والتقصير ينسحب على جمعيات حقوق الإنسان في البلاد وكافة مؤسسات المجتمع المدني التي يفترض أن يكون لها موقف -بعد الرصد والتوثيق وتحليل البيانات. من دعم حق الأطباء في الإضراب والدفع إلى تسوية عادلة في هذه القضية أو أي قضايا مشابهة. 

كفاية.. نقولها إلى هذه المؤسسات جميعا، كفاية خمول وكسل وإشغال للواجهات الاجتماعية وانغماس في العمل السياسي. كفاية.. فأمامنا عمل كثير.

----------------------------------------------------------
نشرت في آراء بتاريخ:



دومينيك دوفيلبان ومابعد الكولونيالية

 سكرت أوروبا واسكرتنا في 70 عاماً الماضية بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعهود الدولية والتدريب والتشبيك مع جنيف ونيويورك ولاهاي. هذ...